بقلم الكاتبة والروائية/هيلانة الشيخ
تعرضت لعدّة سرقات في حياتي. سرقات مادية ضخمة ولم أبال، ولم تترك فيّ شرخًا، فالمسروقات رغم قيمتها الباهظة لا تساوي قيمة اليد، اليد التي سرقت من منظوري الإنساني.
لكن السرقات المعنوية والفكرية تؤذيني نفسيًا لدرجة من الإحباط لا أستطيع تجاوزها إلا بالصمت، ولأني لم أتجاوزها ولن، فلا سبيل لي غير الصمت.
كلما تذكرت حادثة ضياع ابني محمد قبل ٢٣ عامًا، أبكي وأقول: الحمد لله عاد لي ولدي وعودته لا تعادل الأرض بمن عليها.
بماذا تشعر الأم التي سلبوها ابنها أو قتلوه؟! بماذا يشعر الأخ إن اعتقلوا أخيه؟! بماذا تشعر الأرملة التي تنتظر زوجها على النافذة فتلقى جنازته عابرةً في ذات الشارع الذي يسير فيه كل يوم؟! بماذا يشعر الأب عندما يعود مسلوبًا راتبه بالكامل وقد جفّ ريقه وهو ينتظر نهاية الشهر؟!.
بماذا يشعر السارق؟!!! عندما يموت جوعًا هل يشبع على لحوم الجياع؟
الكارثة أن العقاب لا يُقام إلا على لصوص الخبز، بينما اللصوص الحقيقيين يرتعون وينعمون براحة البال، ويتصدرون القمم.
أوطانٌ سُلبت وزُج أهلها في المنفى، بلادٌ سُرقت في وضح الضوء وصار السارق صاحب الحق والمنّة، بينما أهلها شعبٌ منبوذ وسفيه في نظر من يؤيدون إسرائيل وحلفائها، وكيف لا؟! ومن بينهم من خان وباع وقبض الثمن! وعن أي ثمن أنا أتكلم؟ زهيد رخيص بيع الحق والصمت عن قوله.
لكن قضيتي قضية مبدأ، لم أعتد على التنازل عن أشيائي المحسوسة قدرما تنازلت وسأتنازل عن أشيائي الملموسة، فأبسط حقوقي أن أصرخ : أنتم لصوص، مجرد لصوص، تسرقون حضارات يشهد لها التاريخ فكيف لا تتبجحون بسرقة امرأة فقدت هويتها بين دماءٍ كنعانية ودماءٍ عربية، فتشبثت بلغتها التي لا تملك غيرها هوية.
هذه لغتي هويتي ودمائي أنزفها في نص أو قصة أو رواية أو حتى مجرد ومضةٍ ساخرة، لكنها تمثلني ولا تشبه أحدًا، نعم لا تشبه من سرقها ولو صفق له العالم بأكمله، لن يحتمي بالنجاح الزائف والدراهم الرخيصة، لن يحتمي بصمتي طويلًا ….. لن يحتمي.
لن يحتمي بسلطة الأقوى، لن تحميه الأرض ولا السماء إن طال الزمن، قدمي ستكون أعلى من رأسه، وبصقتي ستكون أطهر من كل الأسماء التي سطرت له حرفًا ولو كانت سطورهم أبخس من تطأ صفحتي.
#غدًا_لناظره_بعيد